« Retour au blog de ibnrochd59

السنة الثانية سلك بكالوريا أدب و علوم إنسانية


درس النصوص
مـــدخــــل
إحــــياء النمــــــــوذج

اتسم الشعر العربي بعد العصر العباسي بالنضوب و الجمود، و ذلك بطغيان الصنعة، و اختفاء الأصالة، إذ غدا مجرد كلام منظوم لا يستهدف غير الوزن، و لا يستكثر غير محسنات الصنعة و اللعب بالألفاظ، و جمعها حتى تحول إلى ما يشبه الشواهد والمنظومات.
و قد عرف الشعر العربي مع نهاية القرن 19م، حركة إحياء و بعث تمثلت بعودة فئة من الشعراء إلى أساليب الشعر العربي القديم في عصور ازدهاره، محاكين روائعه و معارضين لها، منطلقين بذلك في طريق الإحياء.
لم تكن غاية رواد إحياء النموذج ، مجرد تقليد أساليب الشعر القديم، بل العودة إلى منابع الشعر الحق، في وجدانه و تجاربه، مستوحين منه صورا و أساليب قادرة على التعبير عن ذلك الوجدان و تلك التجارب، جاعلين منه نقطة انطلاق إلى الجديد و العصرية.
و إذا كان البارودي قد شكل لبنة أساسية في الشعر العربي الحديث ، إذ صارت أشعاره المحاكية و المعارضة لكبار شعراء العربية نماذج رائدة تتلمذ عليها و اقتفى أثرها شعراء بعده، فقد عرف الشعر طائفة من الشعراء عبروا عن قضايا العصر بأسلوب يجمع بين التقليد في شكل القصيدة ، و المعاصرة في أغراضها. و يعد أحمد شوقي و حافظ إبراهيم و الرصافي و الطاهر الإفراني و المهدي الجواهري و محمد بن إبراهيم و المختار السوسي و غيرهم كثيرون من ممثلي هذه الحركة الإحيائية.
و قد أضاف شعراء إحياء النموذج، في امتدادها، إلى أغراض الشعر التقليدية عناية بالأمور الوطنية و القومية و الاجتماعية و الإنسانية، و حققت حركتهم في الكثير من نماذجها خروجا واعيا عن أسر الصناعة البديعية إلى رحاب اللغة الشعرية في عصورها الزاهية.
و عند تقصينا للخصائص التي ميزت قصيدة إحياء النموذج، نقف على سمات و صفات دالة عليها، نذكر منها:

أولا: من حيث موضوعات قصيدة إحياء النموذج، يمكن رصد المضامين الآتية:
• إحياء القيم السالفة : و يعد المضمون القيمي الإسلامي أبرزها، من حيث استيحاء القيم الدينية و الأخلاقية.
• التركيز على القيم الوطنية و الاجتماعية : لقد امتزجت القيم الدينية بالوطنية و الاجتماعية و كانت صدى لماعرفه المجتمع العربي من مقاومة المستعمر ، و صراع ضد التخلف و الجهل.

ثانيا : من حيث الخصائص الشكلية و الأسلوبية لقصيدة النموذج : و يمكن تحديدها لاكما يلي :
• البناء الشعري : و هو بناء يتميز بتعدد الأغراض، و التزام نظام الشطرين، كما كان الشأن عند الشعراء القدماء، و إن كانت هناك قصائد ذات وحدة مضمونية.
• الصورة الشعرية : و هي صورة تعتمد على العالم الحسي، و قلما يغوص الشاعر في المجردات. فالشاعر بيني صوره و
تشبيهاته على أساس التشابه و التناظر بين الأشياء، و الارباط الوثيق بالعالم الحسي، إضافة إلى توظيف الأدوات البلاغية القديمة.
• اللغة االشعرية : لم تميز لغة قصيدة إحياء النموذج عن لغة الشعر العربي القديم من حيث اقتباس المعجم الشعري و ترسم بنياته و أدواته التعبيرية. فعندما نقرأ نماذج من هذه القصائد تبدو و كأنها ذاكرة تستدعي لغة الماضي و صوره.

ثالثا : من حيث الوظيفة العامة لشاعر قصيدة إحياء النموذج : كانت الوظيفة العامة للشاعر الإحيائي تستعيد
المهام الاجتماعية و السياسية و الأخلاقية، و كانت هذه الوظيفة العامة تجعله منشغلا بغيره أكثر مما هو منشغل
بنفسه.
و لم يكن الشعر عنده، في الأغلب الأعم، تعبيرا عن خلجات النفس، بقدر ما كان صياغة لأفكار و مشعر غيره.
و لذلك وصف اشعر الإحيائي بأن شعر غيري، يتحدث فيه الشاعر عن الغير أكثر مما يتحدث عن نفسه. فهو
ليس شاعرا ذاتيا، و إنما هو شاعر جمعي، يتحدث عن الجماعة أو يخاطبها.


ابن رشـد 59

[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le jeudi 11 octobre 2007 13:29

Modifié le dimanche 14 octobre 2007 09:57

« Article précédent : ...

Article suivant : ... »